كُنْتُ أَظُنُّ أَبِي أَبَدِيًّا…

كُنْتُ أَظُنُّ أَبِي أَبَدِيًّا

سَيَكُونُ عُمْرُهُ مِنْ عُمْرِ الكَوْنِ،

وَلَنْ يَرْحَلَ إِلَّا بِفَنَائِهِ.

 

أَوْدَعْتُ عِنْدَهُ كُلَّ أَشْيَائِي،

وَأَلْقَيْتُ فِي جَعْبَتِهِ تَفَاصِيلَ حَيَاتِي،

مُطْمَئِنًّا… أَنَّهُ لَنْ يُضَيِّعَهَا.

 

أَعُودُ بَعْدَ سَنَوَاتٍ،

لِأَسْأَلَهُ: أَيْنَ هَذَا؟ وَأَيْنَ ذَهَبَتْ تِلْكَ؟

فَأَجِدُهَا…

وَاحِدَةً تِلْوَ الأُخْرَى،

بَيْنَ ثَنَايَا مَلَابِسِهِ،

أَوْ دَاخِلَ مَلَفَّاتِهِ.

 

كُنْتُ أَظُنُّ أَبِي أَبَدِيًّا…لَنْ يَرْحَلْ.

 

هَذَا الرَّجُلُ المُكَافِحُ الطَّيِّبُ،

مُنْذُ عِشْرِينَ عَامًا اخْتَارَ الِانْزِوَاءَ عَنِ العَالَمِ،

وَاكْتَفَى بِهَاتِفٍ بَسِيطٍ،

يَطْمَئِنُّ مِنْ خِلَالِهِ عَلَى المُقَرَّبِينَ.

 

يَقْتَنِي الصُّحُفَ،

لِيَعْرِفَ مِنْهَا أَخْبَارَ المَعَاشَاتِ،

وَيَحْفَظُ مَوَاعِيدَ مُبَارَيَاتِ الأَهْلِيِّ ظُهْرًا عَنْ قَلْبٍ.

 

لَمْ يُؤْذِ أَحَدًا قَطُّ،

وَتَحَمَّلَ… الكَثِيرَ.

 

كُنْتُ أَظُنُّ أَبِي أَبَدِيًّا…

لَنْ يَرْحَلْ.

 

سَأَشْتَاقُ إِلَى شِجَارِنَا،

“كَيْفَ نَتْرُكُ حَقَّنَا؟”

 

وَيَقُولُ:

(يَعْنِي كَلْبٌ هَوْهَوَ عَلَيْكَ…

هَتِقِفْ تَرُدَّ عَلَيْهِ بِلُغَتِهِ؟)

 

وَرَغْمَ ذَلِكَ…

كَمْ مِنْ مَرَّاتٍ،

يَجِدُ نَفْسَهُ فِي قَلْبِ العَاصِفَةِ،

مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى.

 

كُنْتُ أَظُنُّ أَبِي أَبَدِيًّا…

سَيَكُونُ عُمْرُهُ مِنْ عُمْرِ الكَوْنِ،

لَنْ يَرْحَلَ إِلَّا بِفَنَائِهِ…

وَلَكِنَّهُ…

رَحَلَ.

فَجْأَةً.

سَأَفْتَقِدُ أَبِي…

مَلَامِحَهُ،عَادَاتِهِ،وَرَنَّةَ هَاتِفِهِ.

“إِنْتَ فِينْ يَا ابْنِي؟ يَلَّا… عَشَانِ الوَقْتَ اتْأَخَّرْ.”

 

جُمْلَةٌ…عِشْتُ أَسْمَعُهَا،

لِأَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً…

وَالآنَ…أَشْتَاقُهَا.

 

شاهد أيضاً

عيد الأضحى في مركز”إثراء”: حين تتحول الثقافات إلى مساحات مفتوحة

استقطبت احتفالات عيد الأضحى في مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء) – مبادرة أرامكو- أكثر من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *